مجد الدين ابن الأثير
455
المختار من مناقب الأخيار
وفيه رجل مريض . قال : فجلس عند رأسه وجعل يلقمه . قال : فقمت لأنظر إلى القرية فبقيت ساعة ثم رجعت ، فقلت للعليل : أين بشر ؟ قال : ذهب إلى بغداد . فقلت : كم بيني وبين بغداد ؟ قال : أربعون فرسخا . فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، أيّ شيء عملت بنفسي وليس معي ما أكتري به ، ولا أقدر على المشي ؟ ! قال : اجلس حتى يرجع . قال : فجلست إلى الجمعة القابلة ، فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيء يأكل المريض ، فلما فرغ قال له : يا أبا نصر ! هذا رجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة فردّه إلى موضعه . قال : فنظر إليّ كالمغضب وقال : لم صحبتني ؟ فقلت : أخطأت . قال : قم فامش . فمشيت إلى قرب المغرب ، فلما قربنا قال : أين محلّتك من بغداد ؟ قلت : في موضع كذا . قال : اذهب ولا تعد . قال : فتبت إلى اللّه عزّ وجلّ ، وصحبتهم وأنا على ذلك « 1 » . وقال محمد بن الهيثم : كنت أدخل على أخت بشر في صغري ، فأعطتني يوما كبّة من غزل ، فقالت : بع هذه الكبّة واشتر خبزا وسمكا . ففعلت ، فدخل بشر والخبز والسمك موضوع ، فقال بشر : ما هذا الطعام ؟ قالت : رأيت أمّي وأمّك في المنام فقالت : إن أردت فرحي وإدخال السرور عليّ فبيعي من غزلك واشتري خبزا وسمكا ، فإنّ أخاك بشرا يشتهيهما . فلما ذكرت أمّي وأمّه بكى وقال : رحمها اللّه ، تغتمّ لي حيّة وميتة ، ثم قال : إني لأشتهيه منذ خمس وعشرين سنة ، ما كان اللّه عزّ وجلّ يراني أن أرجع في شيء تركته للّه . ثم لم يأكله « 2 » . قال محمد بن خفيف : ولا يستكثر ذلك المقدار له ، وكان غزل أخته فيما ذكر أنها قصدت أحمد بن حنبل فقالت : إنّا نغزل بالليل ومعاشنا منه ، وربّما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر - ولاة بغداد - ونحن على السطح فنغزل في
--> ( 1 ) الحلية 8 / 352 ، 353 . ( 2 ) الحلية 8 / 353 .